محمد بن يزيد المبرد

450

المقتضب

هذا باب ما جرى في بعض اللغات مجرى الفعل لوقوعه في معناه وهو حرف جاء لمعنى ، ويجري في غير تلك اللغة مجرى الحروف غير العوامل وذلك الحرف « ما » النافية [ 1 ] تقول : « ما زيد قائما » ، و « ما هذا أخاك » . كذلك يفعل أهل الحجاز . وذلك أنّهم رأوها في معنى « ليس » ، تقع مبتدأة ، وتنفي ما يكون في الحال ، وما لم يقع . فلمّا خلصت في معنى « ليس » ودلّت على ما تدلّ عليه ، ولم يكن بين نفييهما فصل البتة حتّى صارت كلّ واحدة تغني عن الأخرى ، أجروها مجراها . فمن ذلك قول اللّه عزّ وجلّ : ما هذا بَشَراً « 2 » ، و ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ « 3 » . وأمّا بنو تميم فيقولون : « ما زيد منطلق » ، يدعونها حرفا على حالها بمنزلة « إنّما » إذا قلت : « إنّما زيد منطلق » . وأهل الحجاز إذا أدخلوا عليها ما يوجبها ، أو قدّموا خبرها على اسمها ، ردّوها إلى أصلها ، فقالوا : « ما زيد إلّا منطلق » ، و « ما منطلق زيد » ؛ لأنّها حرف لا يتصرّف تصرّف الأفعال ، فلم يقو على نقض النفي ، كما لم يقو على تقديم الخبر ، وذلك لما خبّرتك به في الأفعال والحروف ، وأنّ الشيء إنّما يتصرّف عمله كما يتصرّف هو في نفسه ، فإذ لزم طريقة واحدة ، لزم ما يعمل فيه طريقة واحدة . * * * وتقول في قول أهل الحجاز : « ما زيد منطلقا أبوه ، ولا خارجا أبوه » ، و « ما زيد قائما إليه عبد اللّه » ؛ لأنّك تجري عليه ما كان لشيء من سببه ؛ كما يجري عليه ما كان له خاصّة .

--> [ 1 ] انظر مبحث « ما » في الجنى الداني ص 322 - 341 ؛ ومغني اللبيب 2 / 638 . ( 2 ) يوسف : 31 . ( 3 ) المجادلة : 2 .